الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

127

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : إِذْ أَنْشَأَكُمْ ظرف متعلق ب ( أعلم ) ، أي هو أعلم بالناس من وقت إنشائه إياهم من الأرض وهو وقت خلق أصلهم آدم . والمعنى : أن إنشاءهم من الأرض يستلزم ضعف قدرهم عن تحمل المشاق مع تفاوت أطوار نشأة بني آدم ، فاللّه علم ذلك وعلم أن آخر الأمم وهي أمة النبي صلى اللّه عليه وسلم أضعف الأمم . وهذا المعنى هو الذي جاء في حديث الإسراء من قول موسى لمحمد عليهما الصلاة والسلام حين فرض اللّه على أمته خمسين صلاة « إن أمتك لا تطيق ذلك وإني جربت بني إسرائيل » أي وهم أشد من أمتك قوة ، فالمعنى أن الضعف المقتضي لسعة التجاوز بالمغفرة مقرر في علم اللّه من حين إنشاء آدم من الأرض بالضعف الملازم لجنس البشر على تفاوت فيه قال تعالى : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] ، فإن إنشاء أصل الإنسان من الأرض وهي عنصر ضعيف يقتضي ملازمة الضعف لجميع الأفراد المنحدرة من ذلك الأصل . ومنه قوله النبي : « إن المرأة خلقت من ضلع أعوج » . وقوله : وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ يختص بسعة المغفرة والرفق بهذه الأمة وهو مقتضى قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] . والأجنة : جمع جنين ، وهو نسل الحيوان ما دام في الرحم ، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مستور في ظلمات ثلاث . وفي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ صفة كاشفة إذ الجنين لا يقال إلا على ما في بطن أمه . وفائدة هذا الكشف أن فيه تذكيرا باختلاف أطوار الأجنة من وقت العلوق إلى الولادة ، وإشارة إلى إحاطة علم اللّه تعالى بتلك الأطوار . وجملة فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ اعتراض بين جملة هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ وجملة أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى [ النجم : 33 ] إلخ ، والفاء لتفريع الاعتراض ، وهو تحذير للمؤمنين من العجب بأعمالهم الحسنة عجبا يحدثه المرء في نفسه أو يدخله أحد على غيره بالثناء عليه بعمله . و تُزَكُّوا مضارع زكى الذي هو من التضعيف المراد منه نسبة المفعول إلى أصل الفعل نحو جهّله ، أي لا تنسبوا لأنفسكم الزكاة . فقوله : أَنْفُسَكُمْ صادق بتزكية المرء نفسه في سره أو علانيته فرجع الجمع في قوله : فَلا تُزَكُّوا إلى مقابلة الجمع بالجمع التي تقتضي التوزيع على الآحاد مثل : ركب القوم دوابهم .